منوعات

أدب : شارون… احسن نص فائز بالجائزة الأولى

تطاوين اليوم – قسم الشؤون الثقافية :

شارون (1) …

 

تكريما لمجهودات الاديبة الشابة عواطف محجوب ابنة الجهة اصيلة منطقة المرابطين من ولاية تطاوين المتحصلة على الجائزة الاولى في مسابقة القصة بالوردية لسنة 2017 ، ننشر لها هذا النص الفائز وانتظار جوائز ادبية اخرى للممتميزة عواطف محجوب.

*****

– أمّي أمّي ما معنى الموت؟
– الموت!….. -بعد صمت- الموت هو أن تذهب إلى الله
– أنلبس ثيابا جديدة عندها؟
– لا، لا نلبس سوى الكفن، بني لما هذه الأسئلة؟
– كفن! ……مممممممم
مفكرا مضى يلهو مع أترابه وقد استحوذت فكرة معنى الموت ولباسه الأبيض على عقله. لعب شاردا حتّى إنّه انهزم في مقابلة كرة القدم على غير عادته.
– أمّي، أمي أكلّما لبسنا الأبيض نزور الله كما نزور جدّتي؟
– أعوذ بالله ما بك يا ولد، عد إلى اللعب!
استلقى على سريره مفكّرا، كأنّه يقلّب كرة العالم فوق أصابع يده، بدا غائما معنى الموت أمامه. بخطوات بطيئة خفيفة، اقترب من قنّ الدّجاج، فتح الباب بحذر و مدّ يده. كان بالقفص دجاجة وخمسة من صغارها. قبض على الأقرب إليه ضغط جيدا. ابتعد إلى آخر الحيّ وانزوى بعيدا عن الأعين.
– يا صغير، كيف أجعلك تزور الله، أتلبس الأبيض أم تنام أولا ؟. صمت مفكّرا…
-لا! دقّ عنقه أولا ليموت ثم يلبس الأبيض!!!
انتفض الصبيّ نحو مصدر الصّوت فإذا به صديقه علي، الذي أردف قائلا: ” رأيتك تنسحب إلى هنا كأنّك مقدم على أمر ما فتبعتك، دعني أساعدك في الأمر.” و أخرج وعاء و قارورة ماء مشيرا “سنجعله يغرق أوّلا!” ملآ الوعاء ماء ثم أمسكا الفرخ وأغرقاه في الماء، رفرف قليلا و بصوت مكتوم استسلم وارتخى ثمّ طفا على الماء. أمسكاه ووضعاه في خرقة بيضاء، ثمّ حفرا حفرة بحجمه الصّغير ودفناه.
-طلال ! أرأيت، هذا هو الطّريق الوحيد لزيارة الله، إنّه بلا عودة!!
أطرق طلال، مشى الهوينى مفكّرا فيما فعل في الفرخ صحبة علي، أذهب الفرخ إلى الله؟ كيف كان اللّقاء يا ترى؟. اقترب من الزّقاق الذّي يسكنه فسمع صراخا وعويلا وقد تجمهر النّاس أمام بيت عمّه. جرى متسائلا، قيل له قد مات عمّه و البركة فيه!. ابتعد متفكرا… قد مات عمّي ليزور الله وهو يرتدي الأبيض، لكنّه لن يعود. طريق بلا عودة كما قال علي. تسلّل نحو الغرفة التّى يتّم فيها تجهيز الميّت،لكنّ الكبار نهروه بعيدا: “اذهب إلى أمّك يا ولد!”. كان يحترق فضولا، ولا يجد مفرّا من الإطّلاع على أمر الموت. كان يدرك في قرارة نفسه أنّه أمر جلل، أكبر من عقله ومن حسّه، أكبر من كلّ سنوات عمره القليلة وجسده النّحيل.

بقي ينتظر ولم يفهم أكثر مما فعله بالفرخ صحبة علي. بعد أيّام تسلّل ممسكا بفرخ آخر وابتعد إلى أطراف الحيّ ليفعل به ما فعل بالأول. جعله يزور الله بزيّ أبيض وقبر صغير مجاور للأول. في عشيّة ذات اليوم توفي عمدة البلدة. حاول الاندساس مقتربا نحو لغز الموت، لكن تمّ طرده فابتعد مسرعا على إيقاع لطم النسوة وعويلهن. جلس مراقبا الجمع متسائلا: “إن كنّا نحبّ الله فلماذا كلّما زاره أحد من القرية تلطم عائلته و تبكي؟، ترى هل لأنّه لن يعود مرّة أخرى؟، لكنه ذهب عند الله وهذا أفضل سيعطيه كلّ ما يريد، لماذا الحزن و البكاء إذا؟. نحن نحبّ الله حقّا لكنّي لا أفهم ما يحدث كلّ شيء يبدو متناقضا.

في أحد الصّباحات وهو جالس يفطر مع العائلة، نظر لأخته الصّغرى الجالسة بوداعة في حجر أمّه وقال: “أيّتها الصّغيرة متى تزورين الله؟ متى تلبسين الأبيض كالفراخ الصغيرة؟”. حملق الكلّ مندهشا مصعوقا، ثم أمسكته أمّه توبّخه وتضربه. من بين دموع طفولته الثّائرة حكى لها ما فعل. توعّدته بالعقاب القاسي لو سرق فرخا آخر وانسحب إلى غرفته حانقا مصمّما على فعلها ذلك اليوم.

خلال القيلولة و حين نام كلّ من في البيت أخذ باقي الفراخ. كتم أنفاسها وخنقها وحين سكنت لفّها جميعا في لباس أبيض ودفنها في حديقة البيت تشفيّا ورجع متلصّصا على أفراد عائلته. دخل بهدوء غرفة أخته النّائمة ولفّها بلحاف أبيض وجلس عند رأسها يتلو ما حفظ من آيات ثم تنحنح كالكبار، قال: “الله يرحمها كانت ناس طيبة!! “.

رقّق صوته وأخذ يتباكى كالنّساء ويلطم ثمّ انفجر ضاحكا. أمّه سمعت صوته فاقتحمت الغرفة، هالها ما رأت، متشائمة حسرت اللّحاف عن البنت النّائمة وجرّته خارجا موبخة:
– ملا فال تجيب فيه مالصباح ياخي أش سمعت؟ متقوليش كمّلت قتلت الفلالس الكلّ؟ ملا مجرم نعاني فيه!.
– سيّبني! كي قتلك شنوّة الموت ماحبيتش تجاوب!.
توارى باكيا وقد كبر به الحقد أكثر وتمنّى لو يحل موكب الموت قريبا منه حتى يفهم اللّغز الذّي أربك عقله الصّغير. نام على أمل مصيبة. أفاق على صوت أمّه تلعنه و تضربه: “لقد قتلتهم جميعا يا وجه الشؤم ليتك متّ مكانهم، أيها الغراب أخرج من هذا البيت!”. وهجمت عليه تخنقه وتكتم نفسه. مرعوب وبلا وعي هرب منها متخطّيا جموع النّاس التّى تملأ بيتهم. تساءل عن سبب قدومهم. انزوى في طريق خلفيّ يراقب البيت مستغربا. ماذا حدث؟ ماذا حصل؟ يكاد يُجنّ وهو لا يجد إجابة شافية. مرّ بالقرب رجلين يتحدّثان:
-رحمهم الله، هذا سي سعيد معروف يسوق يجري برشة، قتل معاه أمو و بنتو.
– الله يرحمهم تقلبت بيهم الكرهبة في الواد أش لزّو يجري.

_-الله غالب العمر وقف والموت حضر.
صمت يستوعب ما سمعه ثم صرخ طلال كالمجنون وجرى بلا هوادة تتلاطمه حيطان الزّقاق ويضرب رأسه حتى أدمي. سقط مغشيّا عليه. حين أفاق كان بصره زائغا، بدا يهذي بكلام مبهم. كلّما مرّ به أحد أو محسن يقدّم له بعض الطّعام يسأله باكيا: “متى أزوره لقد تأخرت جدا؟ أين لباسي الأبيض”. فيتعجّب من كلامه المبهم ويمضي متأسّفا. مرارا حاولت أمّه إعادته للبيت كي ترعاه لكنه يهرب صائحا مهتاجا: “أريد الأبيض! أريد الأبيض!، ألبس أنا، أبي، جدّتي، الفراخ، العمدة، تأخرت جدّا”.

يجري بكلّ ما أوتي من أسئلة وغموض في طرقات البلدة الضيّقة يطارد شارون لعلّه يأتيه. لعله يعطيه مهلة لجنون أكبر ربّما فكك شفرة الموت.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1-شارون .. هو الموت في الثقافة اليونانية القديمة

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *