أخبار ثقافيةتحقيقاتجمعيات ومنظماتمنوعات

إصدارات : عَبَرات .. جديد الأستاذة منية الجريدي

تطاوين اليوم – قسم الشؤون الثقافية

مقدمة الاصدار الأول

بقلم الأستاذة /منية الجريدي

تتغير مهام الجمعيّات بتغير الخارطة السياسية الاقتصادية في تونس رجوعا إلى ما تطرق إليه خبراء الاقتصاد.

في فجر الاستقلال كانت كل الدولة هي الحكومة.إذ كانت الحكومة راعيا وكان المواطن رعية. وقد قسّم بورقيبة تونس اقتصاديا كالآتي :

الشمال : ركّز المنشآت في الشمال الشرقي لا سيما تونس العاصمة، بينما كان نصيب الشّمال الغربي إحداث معمل السّكّر بباجة.

الوسط : جعل السياحة في الوسط الشرقي لا سيما المدن الساحلية ومنها سوسة والمنستير، أما الوسط الغربي فكان نصيبه من منشآت الاقتصاد إحداث معمل الورق بالقصرين.

الجنوب : ظلّ نصيب الجنوب التونسي اقتصاديا مناجم الرديف بولاية قفصه.
ولم يذكر في تلك الفترة دور بارز لعبته الجمعيات في المشهد السياسي.

كانت الجمعيات تبعث في الثمانينات في إطار معاضدة مجهود الدولة وهي بداية تشريك المتطوعين لخدمة تونس دون مقابل في تحمل مسؤولية تدبر الشأن العام.

أما في التسعينات فكان التوجه السياسي تخفيف الحكومة مسؤوليتها إزاء المواطن بنشر ثقافة الاعتماد على الذات عبر الجمعيات مع بداية التوجه نحو الخوصصة في العديد من الأشغال.

من عام 1998 إلى تاريخ سقوط نظام بن علي خيّم الجمود على النشاط الجمعياتي في تونس نتيجة التضييق على بعث الجمعيات واختزل نشاطها في خدمة الحزب الوحيد الناشط والحاكم و هو التجمع. وعاش المجتمع التونسي كبت الأنفاس بكل المقاييس، حتى أننا كنا نتلقى كلمة كانت شائعة التداول :
” اخطى السياسة والمخدرات واعمل اللي تحب “.

حين سقوط نظام بن علي في 14 جانفي 2014 فتح باب إحداث الجمعيات على مصراعيه ووضعت الجمعيات في الخارطة السياسية الاقتصادية ضمن خانة العائلات في الدولة إذ جدولت الخارطة السياسية الحالية في تونس مكونات الدولة بالعناصر التالية : المؤسسات الحكومية – المنظمات الدولية – المؤسسات الحرة والعائلات.

ولعل دور الجمعيات لا يمكن أن يكون خارج لعبة أداء الأدوار السياسية في زخم ملل المشاهد التونسي من متابعة الأحداث السياسية والاقتصادية والاجتماعية عبر” البلاتوات” مقابل حاجته إلى فهم ما يدور من حوله من أحداث وحاجته للتمكين من معايير وآليات التمييز بين الأداء السوي والرديء للسياسي في ظل التحول الديمقراطي، عبر التعريف بالمهام الموكولة لكل طيف من أطياف الوسط السياسي والحكومي :

الناشط ألجمعياتي والناشط الحزبي والسلطة التنفيذية والسلطة التشريعية والسلطة القضائية والسلطة الترتيبية. وبات من الضروري التوجه إلى الإنتاج الثقافي كمرافق للفرجة على البلاتوات السياسية في الشاشات.

أرنو خصوصا إلى إبراز دور الأنشطة الثقافية في الارتقاء بالنمط الاجتماعي وضخ الحس الوطني في نفوس الناشئة والتربية على حب الوطن ونقاط تكاملها وارتباطها بالأدوار التي تلعبها الجهات التربوية والرياضية والاجتماعية والصحية والتنموية والسياسية.

وإنّ تحمّل المسؤولية من طرف المجموعة الوطنية يتمّ يالرجوع إلى ما ورثناه من مخزون حضاري وقيم جعلت القيروان وتونس رائدة عبر أحقاب الزمن .

وتتبع التحول الديمقراطي آليات أخرى كالعدالة الانتقالية وهي الفترة الفاصلة في التحول من نظام استبدادي إلى نظام ديمقراطي.

فمن أهداف العدالة الانتقالية كشف الحقيقة وضمان عدم تكرار التجاوزات والانتهاكات وجبر الضرر والتعويض والمصالحة وكتابة الذاكرة.

أما مقاومة الفساد فتمرّ عبر آليات التشهير بالمتجاوزين وعبر القضاء ومحاسبة الفاسدين وكشفهم.
وإنّ من مقتضيات المواطنة إحداث الهيئة الوطنية للنفاذ إلى المعلومة.

وهي آلية هامة يرتقي بها المواطن التونسي من صفة المواطن الرعية إلى صفة المواطن المواطني.

كما اعتمدت بصفة آلية كل من، هيئة الحقيقة والكرامة التي عهدت إليها مهمة العدالة الانتقالية والهيئة الوطنية لمكافحة الفساد تكريسا لمفهوم المجتمع المدني.

ولكن في واقع الأمر اتّضح أنّ المجتمع المدني المهيكل تهتز موضوعيته عندما يتعلق الأمر بميوله السياسي (يميني أو يساري أو دستوري). وقد بات من الضروري أن يتحرك المواطن المستقل ليكشف الخفايا التي عتمت عليها الجهات الإعلامية والمنتمون إلى التيارات السياسية باختلاف مشاربهم .

وأنا أقدّم هذا العمل المتواضع في شكل مسرحية تتمحور أحداثها المستمدة من الواقع حول مسار جمعية بعثت مع حراك اجتماعي وسياسي كبيرين، جمعية تحمل قضية التوحد وتحمل في طياتها رسائل وبدائل ووسائل .

وقد أنجزت هذا العمل أيضا بدافع حس الواجب لمعاضدة الهيئات الدستورية التي جعلها دستور 2014 من آليات تركيز نظام ديمقراطي.

ولكي ترى القضية النور من إرادة المواطنين عبر التحسيس والتبني بأنشطة ثقافية بالتوازي مع الأساليب الأخرى التي تتوخاها الجمعيات. فنشر ثقافة الاختلاف أو ثقافة التحكيم أو ثقافة احترام حقوق المؤلف لا تكفيه نصوص قانونية يشرعها البرلمان كي يعمل بها المواطن أو حتى القاضي. والعمل بهذه النصوص القانونية هو في حاجة أولا وأخيرا ليستوعبها عقل التونسي.

فالفكرة تصنع بالأعمال الثقافية بالأساس. وقد ثبت بالتجربة على سبيل المثال أن إدراج فكرة المرافق للمتوحد داخل القسم لم تكن ناجعة مع المعلم في المدرسة غير المهيأة والتي لم يتسلح المربي فيها بالعلم الموصول بالظاهرة التوحد والأساليب البيداغوجية المرتبطة بتعليم المتوحد. وإنّ غياب التفكير في إحداث فضاءات داخل المدرسة مجهزة بمعدات تتلاءم مع سلوكهم المختلف وبفريق عمل متعدد الاختصاصات يتعهد بتأطيرهم ومدرسة تحترم عمليا خصوصيتهم أمر يدعو إلى النظر إلى الظاهرة من زاوية جديدة ملائمة.

كما أنني أدرجت في هذه السلسة أسماء بعض الشخصيات التي قدمت وتقدم خدمات تطوعية للمجموعة الوطنية كلمسة وفاء، تكريما ورد اعتبار لمن طالهم الجحود. وهي إشارة منا لنشر ثقافة التكريم التي تعد من أطر المجتمعات الراقية.

وعلاوة على ما أنف ذكره، في طيات سلسلتنا هناك دعوة إلى كل من يتحمل المسؤولية مهما كان موقعه أن تكون له في أعماله تلك النظرة الاستشرافية بالمساهمة في كتابة الذاكرة الجهوية والوطنية والوصايا التي تتخذها الأجيال التي تأتي من بعدنا كمرجعية يقتدون بها. فمن الزيف أن نعيش في هذه الدنيا ونرحل دون ترك أثر ومنفعة لأبنائنا وأحفادنا وكل الأجيال التي تقضي أعمارا على هذه الأرض الطيبة المباركة.

ووفقنا الله لما فيه خير البلاد والعباد.

 

منية الجريدي

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *