أخبار ثقافيةأخبار وطنيةالإعلام السياحيالرأي الحرجمعيات ومنظمات

يا رُغاء الإبل من وراء الكثبان

كتبت سونيا الإبضي

تطاوين اليوم – قسم الشؤون الوطنية

يا رُغاء الإبل من وراء الكثبان

بقلم  / سونيا الإبضي 

شددنا الرحال الى مهرجان الخيام بحزوة كنا مجموعة من اهل الاعلام والصحافة من مركز تونس للإعلام السياحي... وحزوة هي منطقة يتوه الجمال فيها... يضيع الوصف فيها وكل حكايات الصحراء والعشق تزهر وتينع وتقطف فيها

—————————————-

حزوة هي مدينة من محافظة توزر تقع في الجنوب الغربي للبلاد التونسية تحتضنها الحدود الجزائرية في انسجام جميل بين البلدين فلا تفرق وانت في هذه الرقعة الجميلة من الارض بين جزائري وتونسي الا باختلاف بسيط في اللهجة المستعملة …

حزوة أو ذات البهاء كما يحلو لي ان اسميها مذ وطأت قدمي ارضها الطيبة منطقة خضراء تختبئ في حضن مساحة بيضاء. كثبان الرمال الصافية التي تحيط بمساحة واحات النخيل الخضراء هي لوحة اختارها الله لتشد اعجاب الناظر إذا نظر وتأسر قلب الزائر ان زار

 

مهرجان الخيام: حين يولي الزمن وجهه نحو الجمال

حللنا بالمكان مساءا وكانت الشمس قد تدحرجت في خجل نحو عمق الصحراء لتتحول كثبان الرمال البيضاء الى ما يشبه الورود البرتقالية البارزة تتخللها خيوط ذهبية شديدة الاستقامة لشدة انبساط المكان الذي يتوه في شساعته النظر …كانت الخيام منتشرة هنا وهناك تسكنها أشياء عتيقة سألنا عنها فقيل هي مكونات الرحلة و الراحلة...هي ما نستحقه للترحال والانتقال من مكان الى اخر هي ما يوضع فوق ظهر الناقة وما يكون زادنا في المسافات البعيدة... كدنا ونحن على مشارف الخيمة نخال أنفسنا نسكن احدى قصائد امرئ القيس وقد وقف يبكي ذكر الحبيب والمنزل … هنا في حزوة تنسى كل الازمنة ولا تستفيق الا في زمن الجمال

كنا من تونس والعراق والاردن والجزائر وليبيا ثم الفينا مجموعات اخرى من مصر والمغرب وسويسرا والمانيا قد سبقونا الى الجمال هناك...امتزاج عالمي رائع...كيف لهذه المدينة الصغيرة ان تجمع الأحبة من كل صوب بهذا الكم وهذا الحجم! مهرجان الخيام في دورته الخامسة والعشرين جاء يؤلف بين الثقافات ويصنع بين الزوار حبا وحميمية فلمسنا الحب والعشق والحنان طوال ايام عرس حزوة بخيامها.

السيد علي السعيدي: الوقار المبتسم

رجل مبتسم ، دائم الابتسامة ..مرحّب دائم الترحيب ، أنيق دائم الاناقة ..كان يتجول بين الحاضرين في حنو يسأل هذا ان كان يحتاج شيئا ويبتسم لذاك ..رجل مال لون شعره الى الابيض فزاده ذلك وقار فاق الوقار كان مدة ايام المهرجان يحتضن ملفا برتقاليا زاهيا يحتوي اسماء وارقام وبرامج  ينظر فيه بين الفينة والاخرى كأنه يقرأ منه قصائد الترحاب واكرام الضيف...هو السيد علي السعيدي مدير الدورة 25 لمهرجان الخيام رجل متقاعد جمع حوله مجموعة هائلة من الشباب رسم لهم طريق النجاح فاتبعوه فجاءت هذه الدورة كأحسن ما يكون النجاح ..دورة جمعت بين الموسيقى والتمثيل والفروسية ومعارض الصناعات التقليدية .. جلسنا طويلا مع السيد علي السعيدي وكان في كل مرة يجيب على اسئلتنا بكل رحابة صدر بابتسامته العريضة... بصوته الحنون بنبرة اهل الجنوب الرائعة بغيرته عن الجهة بحديث هو أقرب الى القصيد

ملحمة حديث الصحراء: صرخة الأبطال  

وسط اكوام من الرمل وعلى الحان موسيقى ملحمية حماسية وبتدخل لحن الناي الحزين انتشرت مجموعة من الممثلين على رقعة المسرح الرملي الشاسع جدانساء ورجال واطفال وفرسان وجمال واكتظ المكان وتحول الى خليط من الالوان الترابية البنية منها والحمراء القانية والسوداء الرمادية والصفراء الصحراوية... أجواء وألوان انتشلت المتفرج من زمن الرقمنة الى زمن الخيل والليل والبيداء...اصوات من هنا واخرى من هناك...

سافر بنا مخرج الملحمة الاستاذ منذر بن ابراهيم الى زمن التصدي للمستعمر الفرنسي سنوات جمر الاحتلال... تونسي او جزائري ليس هذا هو المهم امتزجت الجنسيات في روح واحدة هي الانتصار لا غير... اسكننا الاستاذ منذر بلدا تحتمي بصدور ابطالها...امتزجت الموسيقى بصراخ النسوة وزغاريد النصر وحشرجة صوت الراوي الذي انتصب في محور المسرح يقص القصة ويبعث في النفوس شوقا لأيام اجدادنا انه صوت التاريخ ينبعث من بين الكثبان و تعالت الطلقات ومات منصور شهيدا بين ذراعي حبيبته وانتهت احداث الملحمة ولم تنته دموع المتفرجين تأثرا وهربت بي الذاكرة الى قصائد الخنساء الرثائية ولهفها على صخر .. واختلط البكاء بالنشيد الرسمي الوطني واصطف عشرات الممثلين يحيون جمهورا غفيرا اتى من كل صوب يعيش زمن الانتصارات من خلال ملحمة حديث الصحراء في فضاء انتصبت فيه الخيام شاهدة على حياة البدو آنذاك...ملحمة أيقظت فينا شعور الوحدة والحميمية ..ذكرتنا بأن داخل كل متفرج بطل مقدام غيور...عمل جميل ملأ الفضاء تصفيقا طويلا.

لحزوة أهل يقتلعون التاريخ من عمق الصحراء:

اقامة عشاءا في عمق الصحراء هو احد الفقرات التي ارادت ادارة المهرجان ان تُمتّع بها ضيوفها ..شباب في عمر الزهور ينتقلون بين الخيمة والخيمة بين كومة النار والاخرى يصنعون للضيوف خبز الرعاة كما يسمونه ..يحضرون الشواء في بهجة في حرص شديد لإرضاء كل من حضر …كنا في هذه المساحة الشاسعة من الصحراء نتابع وكل الضيوف غروب الشمس الذي امتزج بظهور شهر ربيع الاول شهر مولد الرسول عليه افضل الصلوات  فاختلط شعور الايمان بشعور الحب والرومانسية في مكان تحول لونه من الصافي الى الاصفر الى البرتقالي الى الاحمر الى القاتم في تدرج لوني مبهر من صاحب الكون  الى اكوام نار منتشرة هنا وهناك ولك ان تتخيل الغناء والشعر والموسيقى وشقشقة نار متصاعدة تضيء جزء من الجزء … قضينا من الوقت اجمله وسرقنا من الزمن احلاه وغادرنا عندما انتصف الليل كل يغني لحنا يشجيه

حزوة تودع ضيوفها بالدموع:

ماكنا نعلم ونحن نشد رحالنا نحو مدننا التي قدمنا منها ان الرمال هناك تعودت دوس اقدامنا… ان النخلة الشامخة تعودت اشرئباب اعناقنا نحوها… ان الذي يزور حزوة يحز في نفسه ان يفارقها… ودّعونا بدفء احضانهم… سالت دموعهم فأسالت دموعنا…هنا اهل العفة والشهامة والحب الصادق والوفاء والكرم…هنا حيث لا مغازات كبيرة ولا طرقات مهيئة ولا اهتمام من الدولة يسكن الجمال والحب… هنا حيث قسوة الدنيا وعزلة المكان خلقت في الاهل حنانا وحفاوة ووفاء أليست مفارقة ان ترى القلوب اللينة تجاري الطبيعة الصلبة… لابد لتونس الجديدة ان تزرع اخضرارها هنا لأن اهل حزوة احق باللون الاخضر لأن الاهل هنا يحولون القتامة الى زهو والصلابة الى لين والتجاهل الى حب… حزوة حكاية عشق لم تكتمل

سونيا ابيضي – تونس

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *