أخبار تنمويةاخبار البرلمانالرأي الحرمال واقتصاد

في الاقتصاد : النهضة والتوافق بين اقتصاد اليمين واقتصاد اليسار

تونس اليوم — قسم الشؤون الاقتصادية :

النهضة والتوافق بين اقتصاد اليمين واقتصاد اليسار

 

☆ كتب الدكتور كمال الصيد

صادق مجلس الشعب التونسي الخميس 17 جوان 2020 على مشروع قانون الاقتصاد الاجتماعي والتضامني، الذي يعتبر الإطار المرجعي الأول في تونس للاقتصاد الاجتماعي والتضامني، ومن خلاله يحدد مفهوم هذا المنوال الجديد وأهدافه وسبل تنظيمه والهياكل والآليات الكفيلة بإرسائه ومتابعته وتقييمه وتطويره ودعمه (. الفصل 1).

يحسب لحركة النهضة وهي جهة المبادرة التشريعية. أنها أصلحت الالة التشريعية في باردو بعد موجة اللوائح، وأرجعت بوصلتها صوب الاستحقاقات الوطنية والانتظارات الشعبية، بعيدا عن المزايدات السياسية وتصفية الأجندات الحزبية الضيقة على حساب هموم المواطن اليومية.

يعتبر هذا القانون تشييدا جديدا لطريق ثالث للتنمية وهو اقتصاد ا لشعب بما هو نشاط اقتصادي لا يصدر عن مؤسسات رأسمالية ولا يصدر عن الدولة. ولقد ظهر الاقتصاد الاجتماعي والتضامني مع بروز الجمعيات والتعاونيات والتعاضديات الرامية إلى توحيد جهد الكادحين للتخفيف من وطأة الرأسمالية المتوحشة ولمجابهة آثارها السلبية على الفئات الهشة والفقيرة خاصة من الطبقة الشغيلة التي لا تملك وسائل الإنتاج بالمفهوم اليساري الاشتراكي.

تاريخيا وفي تونس تم اجهاض هذه التجربة وتم وضع حد لها سنة 1969 بناء على توازنات سياسية وتبريرات اقتصادية حكمت على تجربة التعاونيات في فترة الستينات بالفشل.

الحقيقة أنه ما كان من الممكن أن تنجح التجربة بقطع النظر عن السياق الدولي والخيارات الاقتصادية بين المعسكر الشيوعي السوفياتي والصيني والمعسكر الغربي الأمريكي بالأساس، في غياب المناخ الديمقراطي الذي تترعرع فيه أهم مبادئ هذا الاقتصاد وهو الاستقلالية والحرية والتسيير الجماعي المستقل وروح المبادرة والابداع وتحمل المسؤولية الجماعية بإرادة ووعي وحرية بعيدا عن الدولة والرأسمال الخاص.

مع ذلك شهدت في تونس استمرار هذه التجربة ومؤسسات الاقتصاد الاجتماعي بأشكال متفاوتة إلى هذه المرحلة، وقد تم تأسيس تعاضديات الخدمات الفلاحية عام 1956، وجمعيات مالكي الزياتين 1971، والمجامع المائية 1987 المحافظة على المياه والتربة 1995 المجامع الغابية 1996 مجتمع التنمية 1999 الشركات التعاونية للخدمات الفلاحية 2005. لكن الامر بقي متناثرا لا تجمعه منظومة اقتصادية ولا يؤطره قانون.

هذه المنظومة جزء منها له ماض اشتراكي تعاضدي وجزء منها له علاقة باقتصاد السوق إذ يشتغل الاقتصاد الاجتماعي داخله وضمنه لكن بخصائصه المميزة. اختارت حركة النهضة أن تكون فبي الوسط وعملت بسياسة التوافق فجمعت بين اقتصاد اليسار واقتصاد اليمين، صحيح هذا الاقتصاد ليس اقتصاد النهضة بل هو خيارها الذي قدمته لسلطة الشعب قتم تزكيته فتحول من اقتصاد السوق إلى اقتصاد الشعب ومن اقتصاد الربح الخالص إلى اقتصاد التضامن والعدالة الاجتماعية.

وهو في الأخير اقتصاد مكمل للقطاع العام والقطاع الخاص.
1- من اقتصاد السوق الى اقتصاد الشعب

جاء تعريف ” الاقتصاد الاجتماعي والتضامني في الفصل الثاني من القانون المصادق عليه: بانه منوال اقتصادي يتكون من مجموع الأنشطة الاقتصادية ذات الغايات الاجتماعية ال متعلقة بإنتاج السلع والخدمات وتحويلها وتوزيعها وتبادلها وتسويقها واستهلاكها التي تؤمنها مؤسسات الاقتصاد الاجتماعي والتضامني، استجابة للحاجيات المشتركة لأعضائها والمصلحة العامة الاقتصادية والاجتماعية ولا يكون هدفها الأساسي تقاسم الأرباح”.

يسمى هذا النوع من الاقتصاد في بعض الدول اللاتينية باقتصاد الشعب لأنه ببساطة هو اقتصاد الكل، فهو ليس باقتصاد الأغنياء ولا اقتصاد مؤسسات رأس المال، بل يمكن تسميته باقتصاد الهامش والمناطق الداخلية والضعفاء الذين ليس لهم من قوة إلا التعاون والتعاضد وتجميع بعضهم في شكل تعاونيات من أجل الدفاع عن مصالحهم الاقتصادية وتلبية لانتظاراتهم الاجتماعية المشتركة.

وهذا ما ينص عليه القانون من فاعلين في هذا القطاع في فصله الثالث حيث تعتبر مؤسسة الاقتصاد الاجتماعي والتضامني؛ التعاضديات بما في ذلك الشركات التعاونية للخدمات الفلاحية ومجامع التنمية في قطاعي الفلاحة والصيد البحري.والجمعيات التعاونية.وجمعيات التمويل الصغير وشركات التأمين ذات الصبغة التعاونية والجمعيات الخاضعة للمرسوم عدد 88 لسنة 2011 والتي تمارس نشاطا اقتصاديا بغاية اجتماعية، فهي عبارة عن تجمع للمصالح الاقتصادية ذات البعد الاجتماعي، وتشبيك للفاعلين اقتصاديا الأكثر هشاشة.

تمثل المشاركة الفاعلة للأشخاص المهمشين في مؤسسات الاقتصاد التضامني ركيزة أساسية في مكافحة الاستبعاد الاجتماعي وتعزيز الادماج الاجتماعي، في هذا السياق نأمل أن يدعم هذا القطاع المرأة الريفية من خلال تحفيز النساء المستثمرات بالتكوين المستمر والمشاركة في المعارض والتشجيع بالمنح، وفتح أسواق المنتجات النسائية، ومرافقة خريجات التكوين المهني والتعليم العالي الفلاحي في إطار التمييز الإيجابي، والتشجيع على حيازة وسائل الإنتاج ومنها ملكية الأراضي.

كما يستهدف هذا القطاع العاطلين عن العمل من الشباب وأصحاب الشهادات من خلال توفير النفاذ المستدام إلى سوق العمل. وتمكينهم من الولوج إلى أنشطة متنوعة تتلاءم وإبداعاتهم وابتكاراتهم في مجالات جديدة منها الخدمات وبصورة أخص المعلوماتية والذكاء الاصطناعي وهي أيضا فرصة لهيكلة الاقتصاد غير المنظم الذي يشغله عدد غير قليل من أصحاب الشهادات العليا الذين لم يسعفهم سوق الشغل الرسمي. كما يسمح الاقتصاد التضامني أيضا للمجتمع المدني بالنشاط الاقتصادي ذي البعد الاجتماعي.

فلقد أثبتت الدراسات التي أجراها برنامج الأمم المتحدة للتنمية أن مساهمة النسيج الجمعياتي والمجتمع المدني عموما في الناتج القومي تتراوح بين ثمانية وأربعة عشر بالمائة بالنسبة إلى ثلاثة عشر بلدا مصنعا منضويا صلب منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية مقابل نسب لا تفوت في أحسن الأحوال ثلاث بالمائة بالنسبة للبلدان الأقل نموا.

2- اقتصاد العدالة الاجتماعية
إذا كان من مشترك بين الاقتصاد الاجتماعي التضامني والاقتصاد الاشتراكي فهو الرغبة في تحقيق العدالة الاجتماعية وتترجم هذه الرغبة من خلال تمكين العاملين والكادحين من امتلاك وسائل العمل والإنتاج وتوزيع الثروة بينهم بشكل عادل.

يتحدث الإطار المرجعي في القانون التونسي المصادق عليه على هذه الفلسفة من خلال تقنين أولوية هذا الاقتصاد المتمثلة أساسا في أولوية الانسان والغاية الاجتماعية وتحقيق الرفاه الاجتماعي وتحسين جودة الحياة وتحقيق العدالة الاجتماعية والتوزيع العادل للثروة.

لقد ارتبط هذا الاقتصاد بالأنشطة التي لا ترمي إلى الربح بل لتقديم الخدمات على غرار الرعايا الاجتماعية والصحية ومعالجة الحاجيات الاجتماعية ومحاربة الاقصاء الاجتماعي إذ يمثل الاقتصاد الاجتماعي مؤسسة ضرورية للاستقرار وتحقيق التنمية المستدامة والملاءمة بين الحاجيات والخدمات والتوزيع العادل للثروات وإعادة التوازن لسوق الشغل.

هذا الكلام الطيب، كيف يترجمه القانون المصادق عليه؟ وكيف يمكن تفعيله لفائدة المستفيدين من هذا الاقتصاد؟ بداية حسب وزارة التنمية توجد في تونس 13705 جمعية تندرج أنشطتها في ميادين التوعية والإرشاد الاجتماعي والتعهد بالأشخاص ذوي الاحتياجات الخصوصية وإسناد القروض الصغرى وتوفير الايواء.

كما توجد 41 تعاونية 17 منها تعمل في القطاع العمومي 13 في القطاع شبه العمومي و11 في القطاع الخاص يندرج نشاطها في ميادين مصاريف العلاج والخدمات الاجتماعية ومنح الإحالة على التقاعد. وتوجد 175 تعاضدية يندرج نشاطها في إطار تزويد الفلاحين بالمستلزمات الفلاحية وتوفير الإحاطة الفنية وإنتاج وتحويل وتزويج المنتجات الفلاحية وجمع وترويج الحليب وتوفير الإحاطة البيطرية وترويج الخضر والغلال بأسواق الجملة وتشغيل العاطلين وخاصة المتطوعين.

في هذا الصدد يهم المستفيدون من هذا القطاع الجديد الواعد أولا الإحاطة والمرافقة وثانيا التمويل. أجاب الفصل التاسع من القانون عن هذا الاهتمام بالالتزام بوضع برنامج وطني للتكوين في مجال الاقتصاد الاجتماعي والتضامني واقتراح إدراجها صلب مختلف منظومات تكوين رأس المال البشري وتنظيم دورات تكوينية للناشطين في المجال كما أشار إلى توفير مرافقة وتأطير لمؤسسات الاقتصاد التضامني أما في موضوع التمويل فقد نص (الفصل 15) من القانون على إنشاء بنوك تعاضد أي خطوط تمويل بصفة تفاضلية للمساهمة في تمويل مؤسسات الاقتصاد التضامني كما نص على تخصيص نسبة من الطلبات العمومية لفائدة مؤسسات الاقتصاد الاجتماعي والتضامني مع احترام مبدأ المنافسة وتكافؤ الفرص بينها.

إضافة إلى تمتع مؤسسات الاقتصاد الاجتماعي على الامتيازات الجبائية والمالية صلب (الفصل 17). ومن الأشياء الجيدة في قضية التمويل هو إحداث آلية ضمان تسمّى “خطّ ضمان التمويلات المسندة لفائدة مؤسسات الاقتصاد الاجتماعي والتضامني” تهدف إلى ضمان القروض وكافة أصناف التمويلات المسندة خاصة من قبل الجهاز البنكي ومؤسسات التمويل الصغير ومساهمات كل من شركات الاستثمار ذات رأس مال تنمية أو صناديق المساعدة على الانطلاق أو غيرها من مؤسسات الاستثمار الجماعي إلى مؤسسات الاقتصاد الاجتماعي والتضامني (الفصل 18). وهي معضلة كبيرة تعترض الفقراء الذين يرومون تمويل مشاريع صغرى.

في الأخير المطلوب من الحكومة الإسراع والتعجيل بإحداث «المجلس الأعلى للاقتصاد الاجتماعي والتضامني” الذي بموجبه يتم تفعيل هذا القطاع المكمل للقطاعين الخاص والعام وبه تكتمل منظومة الاقتصاد الوطني وتوضع البلاد على سكة الإنجازات الكبرى في مجال خلق الثروة ومجال تحقيق الرفاه الاجتماعي المنشود استكمالا لأهداف الثورة غير المكتملة.

☆ الدكتور كمال الصيد

مركز الدراسات والبحوث الاقتصادية والاجتماعية / السيراس

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *