أخبار عالميةمال واقتصادمنوعات

لماذا تقدمت اثيوبيا افريقيَّا .. وتأخر العرب المسلمين ؟

صين افريقيا : اثيوبيا الصاعدة

☆ بقلم قيس العرقوبي – إعلامي تونسي :

ونحن نبحث عن إبرة النجاح المؤجّل إلى حين، نبحث عنه في كومة العثرات ولغط الهواة وفوضى المتسلقين ونتوه في ثنايا الوعود الواهية وضبابية الاتجاهات وفقدان المعرفة بالطريق ومتطلبات المرحلة، ونحن نبحث بعد كل موسم انتخابي عن العصفور النادر فإننا ومنذ عقود وتحديدا منذ الثورة أضعنا بالكليّة بوصلة التقدّم والاستقرار ووضوح الرؤى وواقعية البرامج الأمر الذي أدى إلى التقهقر والانحدار الذي نحن عليه اليوم.

وما يجب التأكيد عليه أن الحل الحقيقي والناجع لم يعد لا في الاقتراض ولا في مزيد التداين ولا في التعويل على الضمانات الهشة لاصدقائنا من الدول ذات الارتباط التقليدي تاريخيا من ذلك فرنسا وايطاليا ودول أوروبا عموما بل الحل هو أن نأخذ العبرة وننسج على منوال الدول التي كانت تقل عنا في التطور والتي كانت مؤشراتها العامة لا تضاهينا تطورا ولا ازدهارا، ولعلي من هذه البلدان أختار نموذجا بائنا للعيان شهد النقلة النوعية والتطور الكبير الذي ذاع صيته لا قطريا ولا اقليميا بل أشع على العالم، من ذلك اثيوبيا.

ولربما تفاجأ البعض من الوساطة التي لعبتها اثيوبيا خلال انطلاقا من سنة 2020 المنقضية وذلك في توزيع المستلزمات الطبية القادمة من الصين في شكل مساعدات لعدد من الدول الإفريقية ومن بينها تونس توقيا من تداعيات اجتياح فيروس “كورونا” المستجد.

ولكن لا شك أن المفاجأة ستزول بالاطلاع على النهضة الشاملة والتطور المطرد الذي تعيش على وقعه هذه الدولة الافريقية الصاعدة التي تتجه مؤشراتها نحو الأعلى اقتصاديا وتكنولوجيا وفي ما يتصل بالاستثمار والسياحة والنقل البري والبحري والجوي بل فاثيوبيا اليوم هي واستنادا إلى مؤشرات احصائية رسمية معلنة وأخرى غير رسمية هي في أولى المراتب من حيث تصنيف القوة العسكرية من ناحية الجيوش في عددها وكفاءتها وعدتها وعتادها.

ولا شكّ أن المفاجأة ستزول بمعرفة معطيات رقمية سجلتها دولة اثيوبيا التي تضم 100 مليون و600 ألف نسمة حسب تعدادا سنة 2017 والمتوزعين على مساحة تقدر ب1 مليون و100 ألف كم مربع (تساوي تقريبا في عدد السكان والمساحة جمهورية مصر الحدودية)، ستزول المفاجأة بالاطلاع على الدخل الفردي الخام وعن معدلات الفقر التي تكاد تنعدم ومؤشرات التعليم التي ضاهى منسوبها أقصاه وتساوى مع دول متقدمة كاليابان وكندا الى جانب ارتفاع نسبة أمل الحياة عند الولادة وغيرها من المؤشرات الحيوية والحياتية التي ارتقت الى القمة في الاتجاه الإيجابي.

ولم يعد غريبا أن تضطلع اثيوبيا بدور محوري وهام يأتي مقابل ثقة بالغة باتت تحظى بها الدولة من قبل البلدان العظمى على غرار الصين والولايات المتحدة الأمريكية ودول أوروبا وبقية أقطار آسيا وأمريكا اللاتينية المؤثرة اقليميا، فاثيوبيا اليوم تحتكم على مزايا مغرية سواء في بنيتها التحتية أو الصناعية أو من ناحية الانسيابية والتحفيزات الإدارية.

لذلك تتهافت الدول الكبرى وخاصة التي لها سياسات خارجية لصيقة بافريقيا إلى التعويل على اثيوبيا بما لها من مزايا وامكانيات لوجستية خاصة امتلاكها لاسطول كبير ومتطور من الطائرات والناقلات الجوية العملاقة لنقل المسافرين والبضائع لتغطي كل الوجهات لا سيما الخطوط الطويلة والبعيدة، فأديس أبابا لها عشرات الخطوط والسفرات اليومية إلى الصين والولايات المتحدة وبلدان آسيا وأوروبا والهند وروسيا وغيرها.

وعليه فاثيوبيا اليوم هي جسر لا غنى عنه بالنسبة للسلطات في بكين لتجسيم مشروع الرئيس الصيني الحالي شي جي بينغ المعروف بمبادرة “الحزام والطريق” حيث تعتبر الصين أثيوبيا شريكا أساسيا يتقاسمها مشاغل تحقيق مضامين ومرامي مشروع الرئيس “شي” الذي يعدّ نسخة مطوّرة لمشروع التعاون الصيني القديم “طريق الحرير”.

إلى ذلك تستغلّ اثيوبيا مدخراتها المائية ممثلة بالخصوص في بحيرة “فيكتوريا” منبع فيضان وادي النيل الذي تماهي سعته تقريبا ثلث سعة أنهار القارة الإفريقية حيث تلعب الدولة منذ سنوات ورقة الأمن المائي في المنطقة خاصة في علاقة بمصر وفي صلة بالسياسة المصرية في ما يتصل بالقضية الفلسطينية وقضايا العرب مع اسرائيل عموما.

ولعلّ اثيوبيا الدولة الحليفة لإسرائيل والتي تقيم علاقات كثيفة ومتعددة الأوجه مع تل أبيب سواء في المجالات المدنية أو العسكرية أصبحت اليد التي تبطش بها إسرائيل وهذا ليس رأيا ولكنه تشخيص لسياسة اثيوبيا التي ساندت وتدعم دائما الكيان الصهيوني وقد صوتت دائما وأبدا لصالح اسرائيل في مجلس الأمن خلال حضورها كممثل غير دائم أو كممثل في الجمعية العامة للأمم المتحدة.

ولقد تعملقت اثيوبيا وأمسى قرار أديس أبابا مؤثرا وفاعلا بعد تحجيم دور السودان الإقليمي بعد الدّفع إلى تقسيمه وخاصة إثر الانقلاب الاخير على نظام المشير عمر حسن البشير الذي كان عدوّا مفترضا لا سيما بالنظر إلى مواقف النظام السوداني بقيادة المشير البشير الداعم لارتريا في صراعها الازلي القائم مع سلطة أديس أبابا.

اليوم تتربّع اثيوبيا التي شبهها الخبراء ب “صين افريقيا الصاعد” على عرش القوة الاقتصادية والعسكرية في افريقيا منافسة بل ومتقدة على دول قوية ولها تأثيرها على غرار نيجيريا وجنوب افريقيا، هذه القوة كان لها وقعها الإيجابي على حياة الاثيوبيين وعلى ازدهار مجتمعهم حياة ورفاه وثقافة.

والاسف الذي نجترّه ونكرّره أنه في بلادنا وفي سائر البلدان العربية مازالت العيون مغمضة بل عليها أقفال للتمعن في مثل هذه التجارب الملهمة والاستئناس بها لما فيه خير شعوبنا وبلداننا التي ما زالت رابضة في مفترق طرق منذ عقود بل منذ دهور خلت؟!

(قيس العرقوبي)

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *